بعض الأماكن تحتفظ بالذاكرة في الأرض.
ليس في النصب التذكارية أو السجلات الرسمية، ولكن في الصمت—تحت الأرصفة المتصدعة، خلف الجدران المهجورة، في الشوارع التي لا يبقى فيها أحد طويلاً. في حي التضامن في جنوب دمشق، عاشت الذاكرة بهذه الطريقة لسنوات: مدفونة، مُهمَسة، ومُخيفة.
هناك طرق تبدو عادية حتى ترتفع منها التاريخ.
شارع ضيق. حفرة ضحلة. إطارات مكدسة في الظلام. كاميرا تُمسكها أيدي القتلة.
والآن، بعد سنوات من الإنكار والبعد، تم القبض على الرجل المتهم بالوقوف على حافة تلك الحفرة.
أعلنت السلطات السورية يوم الجمعة عن اعتقال أمجد يوسف، ضابط استخبارات عسكرية سابق والمشتبه به الرئيسي في مذبحة التضامن عام 2013—واحدة من أكثر الفظائع الموثقة رعباً في الحرب الأهلية الطويلة في سوريا. قال المسؤولون إنه تم القبض عليه خلال عملية أمنية في منطقة سهل الغاب بمحافظة حماة، حيث كان يُقال إنه كان مختبئاً منذ سقوط الرئيس السابق بشار الأسد في أواخر عام 2024.
بالنسبة للعديد من السوريين، وصلت الأخبار كصدى متأخر.
ليس بالضبط شعور بالراحة.
شيء أكثر هدوءاً، وأثقل.
لحظة انتقلت فيها الماضي، الذي كان معلقاً لفترة طويلة، فجأة.
وقعت مذبحة التضامن في 16 أبريل 2013، في منطقة أصبحت جبهة بين قوات الحكومة السورية ومقاتلي المعارضة. وفقاً للتحقيقات، قُتل ما لا يقل عن 288 مدنياً. تم إحضار الضحايا—مربوطي الأعين وأيديهم مقيدة—واحداً تلو الآخر إلى حافة خندق مُعد، وتم إطلاق النار عليهم ورميهم في الحفرة. ثم تم حرق الإطارات فوق الجثث في محاولة ظاهرة لتدمير الأدلة.
لسنوات، كانت عمليات القتل مخفية.
ثم ظهرت الصور.
في عام 2022، أظهرت مقاطع الفيديو المسربة التي نشرتها صحيفة الغارديان ووسائل إعلام أخرى مشاهد كانت منهجية للغاية، وحميمة في قسوتها، لدرجة أنها غيرت فهم العالم لما حدث في التضامن. في اللقطات، يظهر رجل يُعرف باسم يوسف وهو يُجبر السجناء على الركض نحو الخندق قبل أن يطلق عليهم النار. أصبحت المذبحة، التي كانت في السابق شائعة، دليلاً.
لم تأتي هذه الحقيقة بسهولة.
قضى الباحث أنصار شاهود، الذي يعمل مع أكاديميين بما في ذلك البروفيسور أوجور أميت أونغور في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة أمستردام، سنوات في تتبع الجناة وتوثيق الاعترافات. من خلال هويات مزيفة على الإنترنت، والمقابلات، والتحليل الجنائي للفيديوهات، جمعوا واحدة من أكثر السجلات تفصيلاً لجريمة حرب مخفية.
هناك شيء مُرعب حول الجرائم التي تُسجل من قبل مرتكبيها.
كما لو أن العنف، في مرحلة ما، أصبح روتينياً لدرجة أنه لم يعد يحتاج إلى إخفاء.
كما لو أن الذاكرة نفسها كانت تُسخر منها.
بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، بدأت الأرض في التضامن تتحدث مرة أخرى. عادت منظمات حقوق الإنسان، والصحفيون، والسكان لفحص الموقع. أشار الشهود إلى المكان المعروف محلياً باسم "حفرة أمجد يوسف". على الخرائط الرقمية، أصبح علامة على الحزن والذكرى. بحثت العائلات عن الأسماء. بحث الناجون عن الأدلة.
يوم الجمعة، احتفل البعض في التضامن على ما يبدو في الشوارع.
قال أحمد عذرا، عضو لجنة الحي، لوكالة رويترز إن العائلات تخطط لزرع الورود البيضاء في موقع المذبحة، قائلين للضحايا إن ذاكرتهم لا تزال حية وأن العدالة تُحقق. زهور بيضاء في مكان كان قد احترق بالنار—صورة صغيرة وهشة مقابل حجم ما فقد.
ومع ذلك، تبقى العدالة في سوريا غير مؤكدة.
اعتقال رجل واحد لا يُعبر عن الآلة التي جعلت مثل هذه القتلات ممكنة. الحرب الأهلية السورية، التي بدأت في عام 2011، قتلت مئات الآلاف وشردت الملايين. القبور الجماعية، وسجون التعذيب، والاختفاءات، والهجمات الكيميائية قد ميزت التاريخ الممزق للبلاد. غالباً ما جاءت المساءلة متأخرة، أو لم تأتِ على الإطلاق.
ومع ذلك، هذه اللحظة مهمة.
ليس لأنها تصلح.
ليس لأنها تعيد.
ولكن لأنها تُسمي.
لأنها تعطل العادة الطويلة للإفلات من العقاب.
لأن الناجين حملوا هذه الصور بمفردهم لسنوات.
الآن الدولة تحمل أحد الرجال المتهمين بخلقها.
وفي التضامن، حيث كانت الأرض تبتلع الأسماء في صمت، قد تتذكر الشارع بشكل مختلف الليلة.
ليس كقبر فقط.
ولكن كمكان تحملت فيه الذاكرة طويلاً بما يكفي لتتحدث.
ملاحظة: تم نشر هذا المقال على BanxChange.com وهو مدعوم برمز BXE على شبكة XRP Ledger. للاطلاع على أحدث المقالات والأخبار، يرجى زيارة BanxChange.com

