للوهلة الأولى، يبدو أن النمل ليس أكثر من وجود عابر - بقعة داكنة تعبر حجرًا، حركة قصيرة على حافة الرصيف، حياة صغيرة تتحرك داخل نسيج الطبيعة الهائل. ومع ذلك، تحت هذا الظل المتواضع يكمن تعقيد تشكل على مدى ملايين السنين من التطور: عضلات مرتبة بدقة دقيقة، أعصاب تتفرع عبر ممرات ضيقة، وفكوك مصممة للقطع، الحمل، والبناء.
بالنسبة للعلماء، كان رؤية هذه الهندسة الخفية مهمة بطيئة ودقيقة منذ فترة طويلة. غالبًا ما تستقر عينات النمل المجمعة من الغابات والصحاري والجبال حول العالم بهدوء في أدراج المتاحف، محفوظة في الكحول أو مثبتة على صواني، في انتظار اهتمام متخصصين دقيق. ولكن مؤخرًا، بدأت جهود جديدة في تحويل هذا الأرشيف الهادئ إلى شيء أكثر اتساعًا - مكتبة رقمية مبنية ليست من الورق والحبر، بل من الضوء والبيانات والشكل ثلاثي الأبعاد.
أنشأ الباحثون الذين يعملون على مشروع يعرف باسم Antscan مجموعة رقمية مفتوحة تحتوي على آلاف المسحات ثلاثية الأبعاد عالية التفاصيل للنمل. باستخدام أدوات تصوير قوية، قام الفريق بمسح أكثر من ألفي عينة فردية تمثل مئات الأنواع وأكثر من مئتي جنس. العمل، الذي نُشر في مجلة Nature Methods، يقدم للعلماء طريقة غير مسبوقة لاستكشاف تشريح وتنوع واحدة من أكثر مجموعات الحيوانات وفرة على الأرض.
لبناء المجموعة، جمع الباحثون نملًا محفوظًا من المتاحف والمجموعات العلمية عبر العديد من البلدان. تم مسح كل عينة، غالبًا ما تكون بحجم حبة أرز، باستخدام نظام تصوير متقدم مدعوم من سينكروترون - مسرع جزيئي قادر على إنتاج أشعة سينية شديدة الكثافة. بينما كانت الأشعة تمر عبر كل جسم صغير، كانت تولد آلاف الصور بسرعة، ملتقطة الهياكل من الداخل والخارج بدقة استثنائية.
تحركت العملية بسرعة، على الرغم من أن التكنولوجيا وراءها هائلة. كان نظام روبوتي يدور ويستبدل العينات كل بضع ثوانٍ، مما يسمح للعلماء بمسح أعداد كبيرة من النمل في فترة زمنية قصيرة. ما كان يمكن أن يستغرق سنوات باستخدام طرق التصوير التقليدية تم إنجازه في أيام من المسح المستمر.
من تلك الآلاف من شرائح الأشعة السينية ظهرت إعادة بناء ثلاثية الأبعاد مفصلة. في هذه النماذج، يبدو النمل تقريبًا كأنه معماري. تشكل هياكلهم الخارجية جدرانًا خارجية؛ داخلها تكمن خيوط العضلات، والقنوات المتفرعة للأعصاب، والممر المتعرج للجهاز الهضمي. حتى الهياكل الدقيقة مثل اللدغات أو الطفيليات الداخلية يمكن ملاحظتها داخل الصور المتعددة الطبقات.
بالنسبة للباحثين الذين يدرسون التطور والتنوع البيولوجي، تقدم مثل هذه النماذج أكثر من مجرد جذب بصري. يُعتبر النمل من بين الكائنات الأكثر هيمنة بيئيًا على الكوكب، حيث يقدر العلماء أن إجمالي عدد سكانهم قد يتجاوز 20 كوادريليون فرد. يمكن أن يكشف فهم تنوعهم التشريحي كيف تتكيف الأنواع مع البيئات التي تتراوح من الغابات الاستوائية إلى السهول القاحلة.
من خلال جعل المسحات متاحة بشكل مفتوح، يوسع المشروع أيضًا الوصول إلى هذه العينات خارج جدران المتاحف. يمكن للطلاب والمعلمين والعلماء في أي مكان في العالم فحص النماذج الرقمية، وتدويرها، أو تحليل هياكلها بطرق كانت تتطلب في السابق الوصول المباشر إلى عينات مادية هشة.
مع مرور الوقت، يقترح الباحثون أن مشروع Antscan قد يعمل كنموذج رقمي للعديد من أشكال الحياة الأخرى. يمكن أن تحافظ المكتبات الرقمية المماثلة في النهاية على وتصنيف الحشرات والنباتات أو كائنات أخرى بتفاصيل مماثلة، مما يخلق أرشيفًا بيولوجيًا شاسعًا يمكن الوصول إليه عبر المختبرات والفصول الدراسية ومراكز البحث.
في الوقت الحالي، يبقى النمل كما كان دائمًا: مخلوق صغير يتحرك عبر التربة وفضلات الأوراق، غير ملحوظ من قبل معظم من يمر فوقه. ومع ذلك، داخل غرف البيانات الهادئة وأرشيفات الرقمية، اكتسبت هذه الأشكال الصغيرة نوعًا جديدًا من الدوام. الآن يوجد الآلاف من النمل ليس فقط في الغابات والحقول، ولكن أيضًا في مكتبة متزايدة من الضوء والبنية - سجل دائم للحياة على أحد أصغر مقاييس الطبيعة.
تقدم دراسة Antscan، التي نُشرت في Nature Methods، مجموعة رقمية تضم أكثر من 2000 مسح ثلاثي الأبعاد عالي الدقة للنمل، مما يوفر للباحثين في جميع أنحاء العالم موردًا مفتوحًا لدراسة تشريح النمل، التطور، والتنوع البيولوجي.
تنبيه صورة الذكاء الاصطناعي تم إنشاء هذه الرسوم التوضيحية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتمثيل الموضوع العلمي بصريًا.
المصادر (أسماء وسائل الإعلام فقط) Scientific American Nature Methods Phys.org Sci.News Mirage News

