تجتاح رياح باردة، حادة وغير رحيمة، شوارع جنيف القديمة. تحمل أكثر من مجرد رائحة الأرض الرطبة والجبال البعيدة؛ تحمل الوزن الثقيل، غير المعلن، لصراع مستمر منذ عامين. لليوم الثاني، تتواصل المحادثات حول حرب روسيا وأوكرانيا داخل هذه القاعات المقدسة، في تنسيق هادئ من الدبلوماسيين والمطالب. لقد تابعت هذا السوق، وهذه الساحة الجيوسياسية، لعقود، ويبدو أن هذا المشهد مألوف بشكل غريب. كل إيماءة تخضع للتدقيق، وكل توقف يحمل معاني عميقة. العالم يراقب، محتفظًا بأنفاسه في انتظار كسر الجليد، أو ومضة من شيء يشبه الطريق إلى الأمام. لكن بصراحة، ماذا نأمل حقًا؟ معجزة؟ دعوني أكون متشككًا. السوق، على سبيل المثال، لا يحتفظ بأنفاسه. إنه فقط... ينتظر. وهذا، أصدقائي، يتحدث كثيرًا عن الشعور السائد. هذه ليست تطورات مفاجئة أو غير متوقعة؛ إنها واقع مؤلم. لقد أخذت الأسواق المالية، وخاصة تلك الحساسة للاهتزازات الجيوسياسية، في اعتبارها إلى حد كبير صراعًا مطولًا، احتراقًا بطيئًا بدلاً من اشتعال مفاجئ أو سلام سريع. لا توجد تحركات مفاجئة في مجال العملات المشفرة أيضًا؛ فقط نفس التقلبات القديمة، غير متأثرة باللطف الدبلوماسي. هذه هي المشكلة الحقيقية.
بالنسبة للكثيرين، تمثل هذه المناقشات أملًا هشًا، شهادة على الرغبة الإنسانية المستمرة في إيجاد أرضية مشتركة، مهما كانت بعيدة. وفقًا لتحليل حديث نشرته نيويورك تايمز في 29 فبراير 2024، تهدف هذه الجولة الحالية من المحادثات، رغم عدم مشاركة الأطراف الرئيسية في النزاع على أعلى مستوى، إلى بناء توافق بين ائتلاف أوسع من الدول حول مبادئ السلام الدائم. هذه ليست مفاوضات بالمعنى التقليدي، بل هي بمثابة استكشاف أولي، تجمع للأصوات التي تحاول تنسيق جوقة غير متجانسة. ما يثير اهتمامي في هذه اللحظة بالذات هو الإرهاق الشديد، التعب الجماعي الذي يحيط بالاجتماعات. لقد تلاشى الحماس الأولي، والخطوط الواضحة بين الصواب والخطأ، في الطحن المستمر للاحتكاك، تاركًا وراءه مشهدًا من المعاناة الدقيقة والمصالح المعقدة، وغالبًا ما تكون متناقضة. التكلفة البشرية، بعيدًا عن العناوين الرئيسية، مذهلة. نحن نتحدث عن ملايين المشردين، وحياة تغيرت بشكل لا يمكن إصلاحه.
لقد رأينا هذا النمط من قبل، أليس كذلك؟ الحوارات المطولة، التي غالبًا ما تكون محبطة، التي تتبع الصدمة الأولية للصراع. تذكروا مؤتمرات ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو حتى المناقشات المعقدة حول الأزمة السورية. كما سيخبركم أي دبلوماسي مخضرم، فإن الرحلة من ساحة المعركة إلى قاعة الاجتماعات مرصوفة بطبقات من عدم الثقة، والمظالم التاريخية، والحساب البارد للمصالح الوطنية. السؤال ليس فقط عن الحدود أو التعويضات؛ بل يتعلق بالجروح العميقة، شبه الوجودية، التي تم إلحاقها، الجروح التي لا يمكن لأي معاهدة واحدة أن تشفيها على الفور. التكلفة المالية وحدها مذهلة؛ حيث قدرت البنك الدولي في فبراير 2023 أن تكلفة إعادة الإعمار في أوكرانيا قد تتجاوز 486 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي السنوي للعديد من الدول. هذه أموال حقيقية، ليست مجرد أرقام مجردة على دفتر حسابات. وهي في ارتفاع.
إليكم ما لا يتحدث عنه أحد حقًا: الشعور الشامل بعدم الواقعية الذي غالبًا ما يرافق هذه المناقشات رفيعة المستوى. بينما يتداول الدبلوماسيون في غرف فاخرة، تستمر الحقيقة القاسية على الأرض بلا هوادة. إن وجهة النظر من كييف، أتصور، تختلف تمامًا عن الطاولات المؤتمرات اللامعة في جنيف. يمكن أن يبدو مفهوم "محادثات السلام" أحيانًا كأنه تجريد قاسي لأولئك الذين يعيشون تحت تهديد دائم. إنه مثل محاولة مناقشة النقاط الدقيقة لخوارزمية معقدة بينما تتعطل شبكة الطاقة؛ تفقد الأناقة النظرية في الصراع الفوري والملموس من أجل البقاء. وبصراحة، فإن رد فعل السوق، أو عدمه، تجاه هذه المبادرات الدبلوماسية يشير إلى تشكك عميق الجذور، واستسلام هادئ بأن الاختراقات الحقيقية لا تزال بعيدة.
لكن إليكم المفاجأة، الحقيقة غير المريحة: أحيانًا، تخدم هذه المحادثات التي تبدو غير مثمرة غرضًا مختلفًا، أكثر دقة. يمكن أن تكون صمام تخفيف الضغط، وسيلة للحفاظ على قنوات الاتصال من التجمد تمامًا، حتى لو كان التقدم بطيئًا. اقترح تحليل بلومبرغ من أوائل مارس 2024 أن حتى التجمعات الرمزية يمكن أن تمنع المزيد من التصعيد، مما يخلق حاجزًا ضئيلًا، شبه غير ملحوظ، ضد الانهيار التام. الأمر ليس متعلقًا بالحل الفوري، ربما، بل بإدارة ما لا يمكن إدارته. كما تعكس الساحة الرقمية هذا التوتر؛ بينما ظهرت بعض المبادرات القائمة على البلوكشين لتتبع المساعدات أو توثيق جرائم الحرب، لم تقدم الطبيعة اللامركزية للعملات المشفرة بعد طريقًا واضحًا نحو الحل الدبلوماسي، بل ربما عدسة جديدة من خلالها يمكن رؤية تأثير الصراع. إنها أداة، وليست حلاً. إن عدم اهتمام السوق ليس مجرد تشكك؛ إنه انعكاس لهذه اللعبة الطويلة.
في الواقع، فإن السجل التاريخي لبناء توافق واسع بين الأمم يؤدي إلى وقف فوري للأعمال العدائية هو، بعبارة صريحة، ليس قويًا. غالبًا ما تخدم هذه التجمعات أكثر كمنصات للظهور أو كآليات لتوطيد التحالفات القائمة، بدلاً من تشكيل مسارات جديدة حقًا. القوة الحقيقية، القوة الفعلية لوقف القتال، لا تزال بيد عدد قليل من اللاعبين الرئيسيين، وحوافزهم للتخفيف الفوري معقدة، لنقل. لقد لاحظت JPMorgan Chase في أحدث توقعاتها الاقتصادية العالمية بوضوح أن المخاطر الجيوسياسية، خصوصًا من هذا الصراع، لا تزال تعيق النمو العالمي، متوقعة استمرار التقلبات واضطرابات سلسلة التوريد حتى العام المقبل. لقد أعطت الصدمة الأولية مكانًا لتحمل قاتم.
لذا، السؤال للمستثمرين، وصانعي السياسات، وفي الواقع، لجميعنا، ليس ما إذا كانت هذه المحادثات في جنيف تحدث، ولكن ما إذا كانت تعالج حقًا التيارات الأساسية التي تدفع هذا الصراع إلى الأمام. هل نحن فقط نعيد ترتيب كراسي السطح على سفينة لا تزال تائهة في عاصفة، أم أن هذه المحادثات الهادئة في جنيف ترسم حقًا مسارًا نحو مياه أكثر هدوءًا؟ سأعترف، أحيانًا أتساءل إذا كان أي شخص يعرف حقًا. إن الهواء الثقيل في جنيف، إذن، ليس مجرد حديث عن حرب روسيا وأوكرانيا؛ إنه انعكاس لعالم يكافح مع مشاكل مستعصية، يبحث عن السلام حيث لا تبقى سوى أصداء المعارك القديمة. ماذا سيجلب الشتاء القادم؟

