في المساحات غير المرئية حيث تتجول الميكروبات عبر الرواسب والمياه القديمة، تتكشف الحياة في أشكال صغيرة جداً تمر دون أن تلاحظها العين المجردة. ومع ذلك، داخل تلك الحدود الدقيقة يكمن هيكل هادئ، ورقصة دقيقة من الجزيئات التي شكلت مسار الحياة على الأرض. تحت المجاهر وداخل النماذج الحاسوبية، بدأ الباحثون في لمحة عن قصة تمتد لمليارات السنين إلى الماضي - قصة مكتوبة ليس في المناظر الطبيعية أو الأحافير، ولكن في الطيات الرقيقة للبروتينات والأطر المخفية للخلايا.
من بين أكثر الفاعلين إثارة للاهتمام في هذه السردية القديمة هي الكائنات المعروفة باسم الأركيا من نوع أسغارد. تم اكتشافها فقط في العقد الماضي وسُميت على أسماء شخصيات من الأساطير النوردية - لوكي، ثور، أودين، وهيمدال - وقد جذبت هذه الميكروبات اهتماماً علمياً مستمراً لسبب واحد مقنع: يبدو أنها تجلس بالقرب بشكل ملحوظ من الحدود التطورية بين الحياة الميكروبية البسيطة والخلايا المعقدة التي تشكل الحيوانات والنباتات والفطريات. تحمل جينوماتها آثاراً من الآلات الجزيئية التي كانت تُعتقد سابقاً أنها تخص حصرية حقيقية النواة، وهو مجال الحياة الذي يُعرف بالخلايا التي تحتوي على نوى وأقسام داخلية.
لقد عمقت الأبحاث الأخيرة هذه الصلة، كاشفة عن ثراء غير متوقع داخل بيولوجيا الأركيا من نوع أسغارد. باستخدام أدوات حاسوبية متقدمة قادرة على التنبؤ بالهياكل البروتينية ثلاثية الأبعاد، قام العلماء بفحص عشرات الآلاف من البروتينات المشفرة عبر مئات من جينومات أسغارد. تتجاوز هذه الطريقة المقارنات التقليدية للحمض النووي، حيث تركز بدلاً من ذلك على الأشكال التي تتخذها البروتينات أثناء طيها - الهياكل التي تميل إلى أن تظل معروفة حتى بعد مليارات السنين من التغير التطوري.
داخل هذا المشهد الهيكلي، حدد الباحثون أكثر من ألف بروتين له تشابهات لافتة مع تلك الموجودة في خلايا حقيقية النواة. يرتبط العديد من هذه البروتينات بعمليات تحدد التعقيد الخلوي: نقل المواد داخل الخلية، تنظيم المعلومات الجزيئية، وتشكيل أقسام داخلية. ينتمي بعضها إلى أنظمة جزيئية تشبه تلك المعنية بمعالجة الإندوسوم وتنظيم الخلايا - وظائف مركزية في العمارة المعقدة للحياة حقيقية النواة الحديثة.
تشير النتائج إلى أن سلف الأركيا لحقيقية النواة قد يكون قد امتلك بالفعل مجموعة أدوات متطورة بشكل مدهش. بدلاً من قفزة مفاجئة من الميكروبات البسيطة إلى الخلايا المقسمة، قد تكون الانتقالة أكثر تدريجية، حيث قامت الأركيا المبكرة بتجميع قطع من التعقيد الخلوي قبل فترة طويلة من ظهور أول حقيقية النواة حقيقية قبل حوالي ملياري سنة.
تعزز دراسات أخرى هذه الصورة الناشئة. في الملاحظات المخبرية لأحد الأركيا من نوع أسغارد المزروعة، وثق العلماء بروزات خلوية طويلة ودقيقة تمتد من جسم الخلية، أحياناً تربط بين الخلايا المجاورة. تبدو هذه الهياكل مدعومة بخيوط الأكتين - خيوط بروتينية تشكل جزءاً من الهيكل الخلوي، وهو شبكة تعطي الشكل والتنظيم للداخل في خلايا حقيقية النواة.
تشير وجود مثل هذه الميزات إلى أن عناصر الهيكل الخلوي - الهيكل الذي يمكّن الخلايا من الحفاظ على الشكل، وتحريك المكونات داخلياً، والانقسام - قد نشأت قبل وقت طويل من ظهور الحياة المعقدة كما نعرفها. ما كان يبدو في السابق علامة حصرية لبيولوجيا حقيقية النواة يبدو الآن أنه يمتلك جذور تطورية أعمق متجذرة داخل سلالات الأركيا.
تشير هذه الرؤى معاً إلى صورة أكثر دقة لتطور الحياة المبكر. بدلاً من وجود انقسام صارخ بين الخلايا البسيطة والمعقدة، قد تشبه الحدود استمرارية، حيث تراكمت الابتكارات الجزيئية تدريجياً عبر المجتمعات الميكروبية القديمة. داخل تلك الاستمرارية، تقف الأركيا من نوع أسغارد كأصداء حية لتجربة تطورية جارية منذ زمن طويل.
توسع التحليلات الهيكلية الجديدة من كتالوج البروتينات الشبيهة بحقيقية النواة في الأركيا من نوع أسغارد وتقترح أن السلالة الأركية التي تؤدي إلى حقيقية النواة الحديثة تمتلك تعقيداً خلوياً أكبر مما كان يُفترض سابقاً. يقول الباحثون إن هذه النتائج تساعد في توضيح الخطوات التطورية التي أدت في النهاية إلى إنتاج الخلايا المقسمة التي تهيمن على الحياة المعقدة على الأرض اليوم.
تنبيه صورة الذكاء الاصطناعي المرئيات تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي وتعمل كتمثيلات مفاهيمية.
المصادر (أسماء وسائل الإعلام فقط) Nature Microbiology Nature Phys.org Sci.News

