في جنوب لبنان، تُبنى المدن كأنها ذاكرة.
تعلو المنازل الحجرية على التلال في طبقات باهتة، متراصة بجوار بساتين الزيتون وأشجار التين، نوافذها تفتح نحو وديان شكلتها الرياح والحرب على حد سواء. في بنت جبيل، المدينة المعروفة منذ زمن بشوارعها الضيقة وروحها المقاومة، كانت الصباحات تبدأ في السابق بفتح النوافذ، وتدفئة الخبز في المطابخ، وصوت الحياة اليومية يتحرك برفق عبر التلال القريبة من الحدود الإسرائيلية.
الآن، يكمن الكثير من تلك الحياة تحت الغبار.
من الأعلى، تبدو المدينة متغيرة لدرجة لا يمكن التعرف عليها.
تروي الصور الجوية، ومقاطع الفيديو بالطائرات بدون طيار، والشهادات المحلية قصة مكتوبة باللون الرمادي—أحياء كاملة مسطحة، طرق مكسورة إلى شظايا، منازل انهارت إلى حقول من الخرسانة. أصبحت بنت جبيل، واحدة من أكثر المدن رمزية واستراتيجية في جنوب لبنان، واحدة من أبرز الأمثلة على الدمار الذي ينتشر عبر منطقة الحدود مع تصعيد إسرائيل حملتها العسكرية ضد حزب الله.
تروي الخرائط حقيقتها الهادئة الخاصة.
تشير الصور الحديثة التي حللها الصحفيون ومنظمات حقوق الإنسان إلى أن أجزاء واسعة من بنت جبيل قد تضررت أو دمرت في غضون أسابيع. تقول القوات الإسرائيلية إنها استهدفت بنية حزب الله التحتية المدمجة في المناطق المدنية، مدعية أنها دمرت حوالي 70 موقعًا للمسلحين في وحول المدينة خلال هجوم سريع ومركز.
لكن على الأرض، تلاشت الفروق.
يصف السكان الذين فروا اختفاء كتل سكنية كاملة في موجات من الانفجارات. وقد استمرت الجرافات، والغارات الجوية، والهدم المنظم في المناطق التي خفت فيها المعارك. اتهمت السلطات البلدية في المدينة إسرائيل بمحاولة محو بنت جبيل من الخريطة—عبارة تحمل دلالات مجازية وأحيانًا، في بعض الأماكن، دلالات حرفية تقريبًا.
هذه ليست المرة الأولى التي تصبح فيها بنت جبيل ساحة معركة.
في عام 2006، خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله، كانت المدينة موقعًا لأحد أشد المواجهات في النزاع. أعيد بناؤها ببطء بعد تلك الحرب، طوبة بطوبة، بالصبر العنيد الذي غالبًا ما يميز الأماكن التي تمسها العنف.
الآن، انهارت تلك الجدران المعاد بناؤها مرة أخرى.
عبر جنوب لبنان، يبدو أن النمط أوسع من مجرد مدينة واحدة.
وجد تحليل منظمة العفو الدولية للصور الجوية أن أكثر من 10,800 هيكل عبر 26 بلدية بالقرب من الحدود الإسرائيلية قد تضررت بشدة أو دمرت بين أواخر سبتمبر 2024 ويناير 2025. في بعض القرى، فقد أكثر من 70 في المئة من المباني. كما تضررت الأراضي الزراعية، والبساتين، والبنية التحتية بشدة، مما ترك ندوبًا طويلة الأمد على كل من المناظر الطبيعية والاقتصادات المحلية.
يصف المسؤولون الإسرائيليون العملية بأنها ضرورية لتفكيك شبكات أنفاق حزب الله، ومخازن الأسلحة، ومواقع الإطلاق بالقرب من الحدود. كما أفادت التقارير بأن الجيش قد أنشأ ما يصفه المراقبون بأنه "منطقة دفاع متقدمة" أو منطقة عازلة تمتد إلى داخل الأراضي اللبنانية.
بالنسبة للمسؤولين اللبنانيين والعديد من السكان، يبدو أن الدمار يمثل شيئًا أوسع.
دخلت كلمات مثل "قتل المدن"، "قتل المنازل"، و"قتل البيئة" في البيانات الرسمية والحزن العام. اتهمت الحكومة اللبنانية إسرائيل بتدمير المنازل والبنية التحتية بشكل منهجي حتى بعد فترات وقف إطلاق النار أو في المناطق التي لم تعد تشهد اشتباكات نشطة.
ومع ذلك، تبقى التلال هادئة في الصور.
مسجد مكسور. طريق مقطوع إلى نصفين. خطوط الغسيل معلقة حيث لم تعد الجدران قائمة.
غالبًا ما تعلن الحرب عن نفسها بصوت عالٍ في اللحظة—صفارات الإنذار، المدفعية، انهيار الأسطح. لكن بعد ذلك، تستقر في الصمت. في الخرائط. في صور قبل وبعد. في الشوارع الفارغة حيث لا يعود أحد عند الغسق.
لطالما كانت بنت جبيل رمزًا في خطاب المقاومة والانتقام على حد سواء. الآن تقف، أو ما تبقى منها، كرمز لشيء أقدم وأكثر عالمية: الطريقة التي تصبح بها المدن إحداثيات في الاستراتيجية العسكرية، والطريقة التي كانت بها تلك الإحداثيات تحتوي على مطابخ، ومدارس، وصلوات، وأف afternoons عادية.
مع مرور الوقت، ربما، سيستقر الغبار.
قد تنجو أشجار الزيتون في بعض الزوايا. قد تُفتح الطرق. قد ترتفع الجدران مرة أخرى، حجرًا بحجر، كما كانت من قبل.
لكن في الوقت الحالي، في جنوب لبنان، تتغير الخرائط أسرع مما يمكن للذاكرة أن تواكب.
وفي مكان ما فوق التلال، تواصل الأقمار الصناعية مراقبة ملامح مدينة تُمحى ببطء.
ملاحظة: تم نشر هذا المقال على BanxChange.com وهو مدعوم برمز BXE على شبكة XRP Ledger. للاطلاع على أحدث المقالات والأخبار، يرجى زيارة BanxChange.com

