في الأيام الأولى من الكون، عندما كان الزمن نفسه شيئًا شابًا، كان الكون يحمل أسرارًا منسوجة في خيوط من الضوء والظل. مثل ضباب يرتفع فوق تلال بعيدة عند الفجر، كانت ومضات خافتة من الإشعاع القديم ترقص ذات يوم بين أول جزر مجرية، غير مرئية حتى الآن فقط. في هذه اللحظة المتطورة من الاستفسار البشري، قام العلماء برفع زاوية من تلك الحجاب الكوني برفق، كاشفين عن مساحة شاسعة من الضوء التي كانت تتخلل طريقها بين المجرات عبر الفضاء والزمن.
لقد حول الفلكيون الذين يعملون مع تجربة الطاقة المظلمة لتلسكوب هوبي-إيبرلي (HETDEX) جبلًا من البيانات إلى نسيج ثلاثي الأبعاد شاسع من الضوء - ليس فقط من المنارات الساطعة للمدن النجمية البعيدة، ولكن من التوهج الخفيف الذي يملأ الفضاء بينها. من خلال قياس إشعاع Lyman-alpha الخافت المنبعث من ذرات الهيدروجين المثارة في الكون البعيد - الضوء الذي امتد وتبرد على مدى 9 إلى 11 مليار سنة - رسم الباحثون أدق خريطة حتى الآن لهذا البحر القديم من الإشعاع. حيث كانت الاستطلاعات السابقة ترى نقاطًا معزولة من السطوع، تكشف هذه الخريطة الجديدة عن أن المساحات "الفارغة" لم تكن فارغة على الإطلاق.
هناك شعر هادئ في هذا النوع من العمل - تذكير بأن الغياب نفسه يمكن أن يكون غنيًا بالمعنى. بدلاً من تصنيف المجرات المبكرة الأكثر سطوعًا فقط، والتي كانت مثل المنارات على شاطئ مظلم، تلتقط تقنية HETDEX التوهج الممزوج لعدد لا يحصى من ذرات الهيدروجين المغمورة في طاقة تلك الأفران النجمية الأولى. تخيل محيطًا عند غروب الشمس، حيث كنا نستطيع فقط لمحة عن السفن البعيدة؛ الآن، نرى اللمعان المتلألئ للأمواج تحت احمرار الأفق. بينما كان هؤلاء الباحثون ينقّبون في مئات الملايين من التوقيعات الطيفية، بدأوا في إعادة بناء التيارات غير المرئية التي ربطت المجرات في الكون الشاب.
"حيث كانت هناك فجوات، نرى الآن هيكلًا"، يقولون - ليس لأن الفضاء يمتلئ فجأة بالنجوم، ولكن لأن الهالات المنتشرة والغاز تساهم أيضًا في خلفية مشعة أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. لقد أثبتت الهالات الضوئية المحيطة بالمجرات المبكرة أنها أكبر وأكثر تداخلًا مما اقترحت النماذج السابقة، مما يشير إلى كون كانت طفولته مليئة بشبكات مترابطة من المادة والإشعاع.
هذا الكشف يفعل أكثر من مجرد تحسين خريطة علمية؛ إنه يعمق قصة بدأت قبل ما يقرب من 14 مليار سنة مع تشكيل النجوم والمجرات. كل نقطة ضوء وكل خيط بينها هو همسة من عصر بعيد، تنتظر أن تُسمع.
بمصطلحات علمية مباشرة، تمثل خريطة HETDEX الجديدة أكبر وأكثر توزيع ثلاثي الأبعاد دقة لإشعاع Lyman-alpha تم إنشاؤه على الإطلاق للكون المبكر. الهيكل التفصيلي الذي تكشفه يقدم اختبارات جديدة للنماذج الكونية لتشكيل المجرات وتوزيع الغاز بين المجرات. سيستمر الباحثون في مقارنة هذه الخريطة مع ملاحظات أخرى، بما في ذلك البيانات التي تتبع عناصر مختلفة، لفهم أفضل لظروف الكون عندما كانت النجوم شابة والضوء يتقاطع عبر الفضاء في أنماط متداخلة ومتعددة الطبقات.
إشعار صورة الذكاء الاصطناعي المرئيات تم إنشاؤها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وليست صورًا حقيقية، تهدف إلى التصور المفاهيمي.
المصادر Phys.org؛ ScienceBlog.com؛ أخبار جامعة ولاية بنسلفانيا؛ AIP - المعهد الفلكي بوتسدام.

